شهدت الأسابيع الأخيرة وصول أحد أكثر التطورات إثارة للاهتمام في صناعة السيارات: بدأت GM اختبارات على الطرق العامة لتقنية قيادة متقدمة، تهدف مستقبلًا إلى إتاحة القيادة مع «صرف النظر عن الطريق» ضمن ظروف محددة. وبالنسبة إلى محبي السيارات والتقنية في إسرائيل، لا يشكّل ذلك مجرد خبر آخر عن مساعدة السائق، بل إشارة إلى دخول سباق القيادة الذاتية مرحلة جديدة أكثر عملية وجرأة. فبعد سنوات من الوعود والإلغاءات وإعادة التسمية والفصل بين أنظمة «دون استخدام اليدين» والقيادة الذاتية الأكثر اكتمالًا، تشير GM إلى رغبتها في العودة إلى صدارة المشهد.
ما الذي أعلنته GM الآن تحديدًا؟
لا يتمثل التطور الرئيسي في إعلان نظري، بل في الانتقال إلى اختبارات خاضعة للرقابة على الطرق العامة في ميشيغان وكاليفورنيا، باستخدام الجيل التالي من تقنية القيادة الآلية التابعة لها. ووفقًا للشركة، فهذه مرحلة تطوير تستند إلى المعرفة المكتسبة من ملايين الكيلومترات باستخدام Super Cruise، وإلى خبرات إضافية جُمعت من مشاريع سابقة للقيادة الذاتية.
ولهذا دلالة مهمة: لا تتحدث GM هنا عن نظام يحافظ على المسار والمسافة فحسب، بل عن أساس لتقنية أكثر تقدمًا، حيث لن يُطلب من السائق مراقبة الطريق باستمرار في كل لحظة ضمن السيناريوهات المعتمدة لتشغيل النظام. وهذا نقاش مختلف تمامًا عن أنظمة ADAS المعتادة.
الفرق بين «دون استخدام اليدين» و«صرف النظر عن الطريق»
لفهم سبب أهمية هذا الإعلان، يجب التمييز بين مرحلتين:
- Hands-Free – يمكن للسائق رفع يديه عن عجلة القيادة، لكن عليه مواصلة مراقبة الطريق.
- Eyes-Off – ضمن ظروف محددة، يتولى النظام مسؤولية أوسع، ولا يُطلب من السائق مراقبة الطريق بصورة متواصلة في كل ثانية.
هذا فرق جوهري من حيث تجربة الاستخدام والمسؤولية القانونية والتنظيم والمكونات المادية في السيارة والثقة التي يتعين على الشركة المصنّعة بناؤها لدى الجمهور. ولذلك، فإن مجرد اختبار GM لهذه التقنية على الطرق العامة حاليًا يجعل هذا الموضوع من أبرز مواضيع مطلع أبريل 2026.
لماذا يثير هذا الاهتمام الآن تحديدًا؟
يمر سوق السيارات العالمي بمرحلة معقدة. فمن جهة، تواصل الشركات المصنّعة الاستثمار في السيارات الكهربائية والبرمجيات والاتصال. ومن جهة أخرى، يتضح أكثر فأكثر أن الميزة التنافسية المقبلة لن تأتي من مدى السير أو الشحن السريع وحدهما، بل أيضًا من قدرات القيادة الذاتية المتقدمة. وبعد أن انقسمت الضجة المحيطة بسيارات الأجرة الروبوتية بين الوعود والواقع، تدرك الشركات الكبرى أن المسار التجاري الأنسب قد يبدأ بالسيارات الخاصة الفاخرة.
بعبارة أخرى، بدلًا من انتظار مدينة كاملة مليئة بسيارات بلا سائق، يمكن البدء بحل أضيق نطاقًا: القيادة على الطرق السريعة، وفي طقس ملائم، مع خرائط دقيقة ومستشعرات متقدمة وقيود واضحة. وهو نهج أكثر تحفظًا، لكنه أكثر واقعية بكثير أيضًا.
هل تحاول GM تقليص الفجوة؟
هذا محتمل بالتأكيد. فقد شهدنا في السنوات الأخيرة شركات مصنّعة مثل مرسيدس وBMW، إلى جانب جهات تقنية مختلفة، تحاول تصدّر مجال القيادة الذاتية على مراحل متدرجة. وتمتلك GM بالفعل قاعدة قوية بفضل Super Cruise، الذي يعتبره كثيرون أحد أكثر أنظمة المساعدة صقلًا في السوق الأمريكية. وهي تحاول الآن إضافة طبقة أعمق من الأتمتة فوق هذه القاعدة.
وتبعث هذه الخطوة أيضًا برسالة إلى المستثمرين والسوق: لم تتخلَّ GM عن رؤيتها للقيادة الذاتية، بل غيّرت طريقها للوصول إليها. وعود شاملة أقل، وتطوير مرحلي أكبر مع هدف واضح لإطلاق تجاري لاحقًا خلال هذا العقد.
ما التقنية الكامنة وراء ذلك؟
كما في كل نظام متقدم من هذا النوع، يجري الجمع بين عدة طبقات:
- المستشعرات – كاميرات ورادار، وأحيانًا ليدار أيضًا، وفقًا للبنية النهائية.
- خرائط طرق دقيقة – شرط أساسي للتشغيل الآمن على الطرق المعتمدة.
- قدرات حوسبة قوية داخل السيارة – لمعالجة البيئة والمسارات والسيارات الأخرى والأحداث الاستثنائية آنيًا.
- برمجيات قائمة على الذكاء الاصطناعي – للتعرف على السيناريوهات المعقدة واتخاذ القرارات.
- نظام احتياطي للسلامة – لضمان انتقال السيارة إلى وضع آمن إذا لم يستعد السائق السيطرة في الوقت المناسب.
وهنا تحديدًا تتحول صناعة السيارات تدريجيًا من صناعة للمعادن والمحركات إلى صناعة للبرمجيات والرقائق والسلامة الوظيفية. فقد يرى العميل عجلة قيادة وشاشة وشعارًا على غطاء المحرك، لكن ثورة هندسية هائلة تجري خلف الكواليس.
ماذا يعني ذلك للسائقين في إسرائيل؟
يجب التحلي بالواقعية هنا. فحتى إذا نضجت التقنية في الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة، لن تصل إلى إسرائيل على الفور. إذ ستحدد اللوائح المحلية وخرائط الطرق والمسؤولية التأمينية وملاءمة اللغة وإشارات المرور، وكذلك مسألة خدمة الشركة المصنّعة، موعد وصول أنظمة كهذه إلى السوق المحلية وما إذا كانت ستصل أصلًا.
لكن لدى الإسرائيليين سبب وجيه لمتابعة التطورات منذ الآن. أولًا، تصل التقنيات التي تتطور اليوم في السوقين الأمريكية والأوروبية في نهاية المطاف إلى الطرازات المباعة هنا أيضًا. وثانيًا، حتى إن لم نحصل غدًا على نظام Eyes-Off كامل، فسوف تنتقل بعض قدراته بسرعة أكبر إلى أنظمة المساعدة المتقدمة في السيارات الجديدة، بما في ذلك الكبح والحفاظ على المسار وتغيير المسار تلقائيًا ومثبت السرعة الأكثر ذكاءً.
هل سيؤثر ذلك أيضًا في اختيار سيارة جديدة؟
بالتأكيد. فلم يعد عدد متزايد من المشترين يسأل عن استهلاك الوقود أو مدى السير الكهربائي أو الرحابة في الخلف فحسب، بل أيضًا عن قدرات البرمجيات وتحديثات OTA، وجودة أنظمة المساعدة، ووتيرة تطور السيارة مستقبلًا بعد تسليمها. وبهذا المعنى، تتحول السيارة الجديدة إلى منتج رقمي يتلقى التحديثات طوال عمره.
ولذلك، حتى إن لم تكن GM نفسها لاعبًا رئيسيًا في إسرائيل مثل بعض العلامات الكورية أو الأوروبية أو الصينية، فإن تأثيرها في الصناعة بأكملها واسع. وعندما تسرّع وتيرتها في مجال القيادة الذاتية، تضطر الشركات المنافسة إلى الرد.
التحدي الأكبر: الثقة والسلامة والتنظيم
لا تقتصر المشكلة الرئيسية في القيادة الذاتية على الجانب التقني، بل تشمل أيضًا الجوانب النفسية والقانونية والجماهيرية. ولكي يحظى نظام Eyes-Off بالقبول، يجب أن يثبت ثلاث نقاط:
- أنه أكثر أمانًا من السائق البشري، على الأقل ضمن السيناريوهات المعتمدة.
- أن السائق يفهم متى يُسمح باستخدامه ومتى لا يُسمح.
- أن هناك آلية واضحة لنقل السيطرة عند الحاجة.
وهذا مجال شديد الحساسية، لأن الفارق بين «الراحة المتقدمة» و«الثقة المفرطة» قد يكون خطرًا. لذلك يُرجح أن تصل هذه الأنظمة، حتى عند إطلاقها مستقبلًا، بقيود صارمة في البداية تشمل السرعة وأنواع الطرق والظروف الجوية، بل وحتى مناطق جغرافية محددة.
الخلاصة
تُعد خطوة GM الأخيرة من أحدث التطورات وأكثرها إثارة للاهتمام في صناعة السيارات حاليًا، وتحديدًا لأنها لا تتناول سيارة كروس أوفر جديدة أخرى أو وعدًا آخر ببطارية مستقبلية، بل سؤالًا أعمق: متى ستبدأ السيارة فعلًا بالقيادة نيابةً عنا، بدلًا من مجرد مساعدتنا على القيادة؟
إذا تقدمت هذه الاختبارات كما هو مخطط، فقد تحول السنوات المقبلة القيادة الذاتية من مجال للاختبارات والمقاطع الاستعراضية إلى ميزة فعلية في سيارات فاخرة تُنتج على نطاق تجاري. وبالنسبة إلى محبي السيارات في إسرائيل، تستحق هذه اللحظة المتابعة عن كثب، لأنه حتى إن بدأت في الخارج، فستصل آثارها في النهاية إلى طرقنا أيضًا.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين القيادة hands-free والقيادة eyes-off؟
في نظام hands-free، يمكن للسائق رفع يديه عن عجلة القيادة، لكن عليه مواصلة مراقبة الطريق. أما في نظام eyes-off، فيتولى النظام مسؤولية أوسع ضمن الظروف المعتمدة، ولذلك لا يُطلب من السائق الإشراف المتواصل بالمستوى نفسه.
هل تقنية GM الجديدة قيادة ذاتية بالكامل؟
لا. فهذا حل محدود لسيناريوهات معينة، وخصوصًا على الطرق السريعة وفي ظروف محددة. وليست هذه قيادة ذاتية كاملة على كل طريق أو في كل طقس أو حالة مرورية.
متى سنرى أنظمة كهذه في إسرائيل؟
من الصعب معرفة ذلك بدقة، لأنه يعتمد على التنظيم وخرائط الطرق والتأمين وملاءمة الشركات المصنّعة منتجاتها للسوق المحلية. ومن المرجح أن نشهد أولًا ترقيات تدريجية لأنظمة مساعدة السائق، ثم قدرات أكثر تقدمًا في وقت لاحق.
لماذا تهم القيادة الذاتية أيضًا من يشتري سيارة عادية؟
لأن الكثير من تقنيات القيادة الذاتية تنتقل بسرعة كبيرة إلى السيارات العادية، مثل الكبح التلقائي والحفاظ على المسار ومثبت السرعة الذكي وتحديثات البرمجيات. وما يبدو اليوم ابتكارًا في السيارات الفاخرة قد يصبح غدًا معيارًا في السوق الواسعة.